فصل: مسألة أنملة الأصبع التي ليس فيها إلا أنملتان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة تصاب بعض أذنه فيذهب من ذلك بعض سمعه:

وسئل عن رجل تصاب بعض أذنه فيذهب من ذلك بعض سمعه، فقال: يكون له من عقل السمع بقدر ما نقص سمعه، ومن عقل الذي أصيب من الأذن الاجتهاد، قيل له فإن ذهب السمع واصطلمت الأذن؟ قال: تكون في السمع الدية كاملة ولا شيء في اصطلام الأذن، قيل له: فلم جعلت فيما نقص من الأذن اجتهاد مع غرم العقل على قدر ما نقص من السمع، وإذا ذهب السمع كله سقط عقل اصطلام الأذن كله؟ قال: أرأيت إن ذهب نصف السمع وجميع الأذن أيسقط عقلها وعقل السمع لم يتم؟ قلت: كأنك إنما رأيت له الاجتهاد فيما جاوز من الأذن قدر ما نقص من السمع إن كان أصيب جميع الأذن وذهب نصف السمع عقلت له بالاجتهاد نصف الأذن وأسقطت النصف الذي أخذ من نصف السمع وإن كان ذهب ثلثا الأذن عقلت له سدس الأذن، فعلى هذا الحساب يعقل له ما أصيب من الأذن فوق ما يعطي من عقل ما نقص السمع، قلت له إن في ذهاب نصف السمع نصف الدية كاملة وهو لو أصيب جميع السمع واصطلمت أذناه لم يكن لهما عقل، وإنما يعطى عقل السمع أفلا يسقط الاجتهاد من الأذن إذا ذهب نصف السمع وإن أصيبت كلها ويجعل جميع الأذن بما أخذ من نصف العقل ولا يجعل فيه الاجتهاد حتى يكون الذي نقص السمع أقل من النصف فينظر حينئذ فيما أصيب من الأذن وما ذهب من السمع فيجتهد فيما أصيب من الأذن فوق قدر ما نقص من السمع.
قال محمد بن رشد: الدية إنما هي في السمع لا في الأذنين، فإن قطعت أذنا الرجل ولم يذهب شيء من سمعه فليس في الأذنين إلا حكومة، وإن ضرب فذهب سمعه ولم تذهب أذناه فله في ذهاب سمعه الدية كاملة، وإن قطعت أذناه وذهب سمعه فله في ذهاب سمعه الدية كاملة، ولا شيء له في قطع أذنيه لأنهما تبع للسمع، وكذلك إن قطعت أنصاف أذنيه وذهب من ذلك نصف سمعه فليس له إلا نصف الدية لما ذهب من نصف سمعه، فإن قطع من أذنيه أكثر مما ذهب من سمعه فله فيما زاد على ما ذهب من سمعه حكومة، مثال ذلك أن تقطع أنصاف أذنيه ويذهب ربع سمعه فله ربع الدية لذهاب ربع سمعه، وله حكومة في نصف ما قطع من أذنيه وهو ربعها لأن النصف الآخر وهو الربع دخل في دية ربع السمع الذي أخذه، فمتى قطع من الأذنين مثل ما ذهب من السمع فأقل لم يكن فيما قطع منهما شيء لدخولهما في دية ربع السمع، ومتى قطع منهما أكثر مما ذهب من السمع كان له في الزائد على ما ذهب من السمع حكومة، هذا الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وإلى هذا يرجع ما في هذه الرواية، ولا يلتفت إلى ما يظهر في ألفاظها من الاضطراب؛ لأنه إنما وقع على غير تحصيل وبالله التوفيق.

.مسألة يقطع أذن الرجل فيردها وقد كانت اصطلمت فتثبت:

ومن كتاب الزكاة:
قال: وسئل عن الرجل يقطع أذن الرجل فيردها وقد كانت اصطلمت فتثبت أيكون له عقلها تاما؟ فقال إذا ثبتت وعادت لهيئتها فلا عقل فيها، فإن كان في ثبوتها ضعف فله بحساب ما يرى من نقص قوتها.
قيل له فالسن تطرح ثم يردها صاحبها فتثبت فقال يغرم عقلها تاما، قيل له فما فرق بين هاذين عندك؟ قال لأن الأذن إنما هي بضعة إذا قطعت ثم ردت استمسكت وعادت لهيئتها وجرى الدم والروح فيها، وإن السن إذا بانت من موضعها ثم ردت لم يجر فيها دمها كما كان أبدا ولا ترجع فيها قوتها أبدا، وإنما ردها عندي بمنزلة شيء يوضع مكان التي طرحت للجمال، وأما المنفعة فلا تعود إلى هيئتها أبدا.
قال محمد بن رشد: قد قيل أنه لا يقضي له فيهما بشيء إذا عادا لهيئتهما وهو قول أشهب، وقيل إنه يقضي له فيهما جميعا بالدية وإن عادا لهيئتهما وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، ولا اختلاف بينهم في أنه يقتص من كل واحد منهما في العمد، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة وقول أصبغ، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في سماع أصبغ من كتاب الديات.

.مسألة يعدو عليه آخر فيقطع يده المقطوعة بعض أصابعها:

ومن كتاب المكاتب:
وسئل عن الذي يعدو على الرجل فيقطع بعض أصابعه عمدا أو خطأ فيستقيد أو يأخذ العقل ثم يعدو عليه آخر فيقطع يده المقطوعة بعض أصابعها، فقال إن كان الأول إنما أصاب من اليد أصبعا واحدة فإن المقطوعة يده يستقيد من قاطعها ولا يغرم له شيئا من أجل ما كان نقص من أصابعه، ولا يمنع القود لذلك، وإن كانت يده ناقصة أصبعين فما فوق ذلك لم يكن له أن يستقيد من قاطع يده؛ لأن يده بينة النقصان، فليس له أن يقطع يد القاطع التي لا نقصان فيها.
قلت له: أرأيت إن كان المتعدى عليه إنما أصيب أصبعه خطأ أو عمدا فاستقاد أو أعطي العقل ثم قطعت يده خطأ أيأخذ عقل يده صحيحة أم عقل ما بقي من أصابعه وقد قطعت من الكوع أو من المرفق فكيف إن كان الجاني هو الناقص أصبع من أصابعه أو أكثر من ذلك والمجني عليه صحيح اليد أو يكون الجاني أشد اليد وقد أخذ ممن فعل ذلك به عقلها؟ قال: وأما الذي تصاب يده وهي ناقصة أصبع وقد استقاد ممن كان قطع أصبعه أو أخذ عقلها فليس له على من قطع يده خطأ بعد قطع الأصبع إلا عقل ما بقي من اليد، وذلك عقل أربع أصابع وإن كانت ناقصة أصبعين أو أكثر فليس على قاطع يده بعد نقص أصابعه إلا عقل ما بقي فيها من الأصابع إلا أن يقطعها وقد أصيبت أصابعه كلها فلا يكون على قاطعها إذ ليس فيها شيء من أصابعها إلا حكومة يجتهد فيها الإمام، قال: وسواء قطعها بعد أن ذهب بعض أصابعها من الكوع أو من المرفق أو المنكب ليس فيها إلا عقل ما بقي من أصابعها، قال وإن كان الجاني هو الناقص بعض أصابعه فإن كان ناقص أصبع واحدة فقط فليس للمقطوع يده إلا القود وليس على الجاني أن يستقاد منه ويغرم عقل أصبعه الناقصة، قال: وإن نقصت أصابعه أكثر من أصبع خير المقطوع يده فإن شاء استقاد وليس له مع القود غرم شيء من الأشياء، وإن شاء ترك القود لنقصان يد قاطعه وأخذ العقل كاملا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها وبيان ما يتفق عليه من وجوهها مما يختلف فيه منها في رسم أوصى من سماع عيسى قبل هذا ولا وجه لإعادته.

.مسألة الفصاص من الجاني الأشل:

قلت: فإن كان الجاني أشل؟ قال: يخير المجني عليه فإن شاء اقتص وقطع الشلا التي فيها حقه، وإن شاء تركها وأخذ العقل، قد قال ابن القاسم في كتاب الديات من كتاب أمر في الجاني إذا كانت يده شلاء ليس للمقطوعة يده إلا العقل، وليس له إلى قطع اليد الشلا سبيل.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام فيها في رسم الجبائر والعقول من سماع أشهب فلا وجه لإعادته.

.مسألة في يده أصبغ زائدة كم عقلها:

قلت أرأيت الذي في يده أصبغ زائدة أو في رجله كم عقلها؟
قال: إن كانت قوتها تشبه قوة سائر الأصابع فعقلها تام، قلت: ما تمامها؟ أعقل سدس اليد أم يكون عقلها عشر من الإبل؟ قال: بل يكون عشر من الإبل، قلت: إذا يكون عقل الأصابع ستين من الإبل، قال: وإن قلت فإن قطعت يده أيكون عقلها ستين من الإبل كما كان يأخذ في أصابعها كلها أم لا يزاد على خمسين؟ قال: يكون عقلها ستين من الإبل مثل عقل جميع أصابعه الستة، قلت فإن كانت ضعيفة ليست على مثل قوة الأصابع لم يكن فيها إلا حكومة؟ قال: نعم، ومن سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب استأذن سيده، قال عيسى: قلت لابن القاسم فإن قطع ما بقي من الأصابع بعد أن أخذ لها حكومة هل يقاص بما أخذ في الحكومة في دية اليد؟ قال: لا يقاص بالحكومة في دية اليد وعلى من قطع تلك اليد بعد الأصبع الدية كاملة، قلت: فإن قطعت اليد كلها وتلك الإصبع الزائدة فيها هل يكون فيها خمسمائة وحكومة الأصبع؟ قال: لا ليس فيها إلا خمسمائة وليس فيها حكومة، قال عيسى: قلت له فهل فيها قود إذا قطعت عمدا وهي في القوة والمنفعة كغيرها، قال: لا أرى فيها قودا لأنه ليس لها نظير، والعمد والخطأ فيها سواء، قال ابن القاسم وقد بلغني جميع ما فسرت لك في هذه المسألة عن مالك إلا في القود.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إن في الأصبع الزائدة عقلها تاما إذا كانت في القوة كسائر الأصابع لأنه ليس ينتفع بها كلها انتفاعا واحدا وإن قطعت نقصت منفعة يده، ولا قصاص فيها إذ لا نظير لها، وأما إن لم تكن منفعتها كمنفعة سائر الأصابع فإنما فيها حكومة إذا أصيبت مفردة، فإن قطعت يده بالإصبع الزائدة التي إنما فيها حكومة فليس له إلا عقل يده دون حكومة للأصبع الزائدة.
وصفة الحكومة في الإصبع الزائدة التي إنما فيها حكومة أن ينظركم ينقص ذهاب الأصبع من قيمته لو كان عبدا فيؤخذ ذلك القدر من ديته، فإن لم ينقص ذلك من قيمته شيئا أو لعله يزيد فيه لكونه بعد اليد فإن كان ذلك، لم يكن فيه شيء إلا الأعب في العمد، ولا يدخل في ذلك من الاختلاف ما في العبد يخصى فتزيد قيمته لمخالفته في المعنى، وقد مضى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم ما فيه بيان ذلك.
وقوله في الأصبع السادسة إذا كانت قوتها مثل قوة سائر الأصابع إن العمد فيها والخطأ سواء معناه في ارتفاع القصاص فيه خاصة دية العمد مربعة ودية الخطأ مخمسة، وقد تقطع الأصبع الزائدة مع غيرها مما يبلغ ثلث الدية فيكون العقل في ذلك في الخطأ على العاقلة وبالله التوفيق.

.مسألة يكون خلقة يده من أربع أصابع كم عقل أصبعه إذا قطعت:

قال يحيى: قلت لابن القاسم فالرجل يكون خلقة يده من أربع أصابع كم عقل أصبعه إذا قطعت؟ قال: عشر من الإبل، قلت له: إذا لا يكون في جميع أصابعه إلا أربعون من الإبل؟ قال وإن قلت فعقل يده أيكون قدر ما كان في أصابعه أم يتم عقلها، قال: لا يكون له إلا عقل ما كان يكون في أصابعه الأربع، وذلك أربعون من الإبل، قال: ولو لم يكن له إلا ثلاث أصابع أو أصبعان ثم قطعت يده ما كان عقلها إلا على قدر ما كان يكون في أصابعه الأربع، وذلك أربعون من الإبل إن كن ثلاثا فعقل يده ثلاثون من الإبل، وإن كانت أصبعين فعقل يده عشرون من الإبل، قلت أرأيت الذي يكون خلقته بنقصان الأصابع إذا قطع يد رجل أو قطعت يده عمدا كيف يستقيد أو يستقاد منه؟ قال على نحو ما فسرت لك في الذي نقص أصابعه من جناية، إن كان ناقص أصبع استقاد ممن قطعه ولم يكن لمن قطع يده إلا القود أيضا، وإن كان النقص أكثر من أصبع كان له على قاطعه العقل ولم يستقد، ولا يقطع له يد تامة بيده الناقصة، وإن قطع هو غيره خير المقطوعة يده فإن شاء استقاد وإن شاء أخذ العقل.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله إذ لا فرق في نقصان الأصبع فما زاد على ذلك بين أن يكون نقصانه خلقة أو جناية فيما يجب له أو عليه من القصاص في العمد أو الدية في الخطأ، وقد مضت المسألة فوق هذا في هذا الرسم ومضت أيضا والتكلم عليها في رسم أوصى من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.

.مسألة أنملة الأصبع التي ليس فيها إلا أنملتان:

قلت كم في أنملة الأصبع التي ليس فيها إلا أنملتان؟ قال: قال مالك: فيها نصف عقل أصبع.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وفي الأنملة الثالثة التي في الكف حكومة، وقد قيل إن في كل أنملة من أنامل الإبهام الثالث ثلث عقل الإصبع وبالله التوفيق.

.مسألة يفسد الثوب فسادا يجب عليه ضمانه:

قال يحيى: وسألته عن الرجل يكسر بقرة الرجل أو شاته فيخاف صاحب البقرة أو الشاة عليها الموت فيذبحها ماذا يجب على كاسرها؟ قال: إن كان كسرها كسرا معطبا يجب من مثله على الكاسر غرم جميع القيمة فأراد ذبحه إياها رضا بحبسها ولا أرى على الذي كسرها غرما قليلا ولا كثيرا، وذلك أن صاحبها كان مخيرا إذا أعطبها الذي كسرها بين أن يأخذ جميع قيمتها ويبرأ منه إليها وبين أن يحبسها ولا يأخذ قدر ما نقص الكسر من ثمنها، فلما كان مخيرا بعد كسرها في حبسها بلا شيء يأخذه معها، أو تركها وأخذ جميع قيمتها فتعدى فذبحها بعد وجوب قيمتها له على كاسرها كان ذلك منه رضا بحبسها فلا أرى عليه شيئا غير شاته، قال: وإن كان الذي أصابها به غير عيب معطب لها فإنما له على الذي أصابها قدر ما نقص العيب من ثمنها فذلك واجب له على الذي تعدى عليها ذبحها سيدها أو تركها، وذلك أنه لم يكن مخيرا بين إسلام قيمتها وأخذها وبين حبسها بلا شيء يأخذه وإنما وجب له ما نقص من ثمنها على كل حال، فذبحه إياها لا يسقط عنه حقه الذي كان وجب له على الذي كان أصاب بالعيب.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على خلاف المشهور من مذهبه في الذي يفسد الثوب فسادا يجب عليه ضمانه أنه مخير بين أن يضمنه قيمته ويسلمه إليه، وبين أن يمسك ثوبه ويأخذ منه ما نقصه؛ لأن الذي يأتي على قياس قوله هذا في هذه المسألة أن يكون له أن يأخذ منه ما نقصها وإن ذبحها بعد أن كسرها الجاني كسرا معطبا، وإنما يأتي جوابه في هذه المسألة على مذهب أشهب، وما روي عن ابن القاسم من أنه إذا كان الفساد كثيرا فليس له أن يضمنه ما نقص، وإنما له أن يضمنه قيمته أو يمسكه ولا شيء له، وهذا القول قائم لابن القاسم من كتاب الحدود في الحذف، وفي المسألة قول ثالث أنه لا خيار له في التضمين وإن كان الفساد كثيرا، وإنما له ما نقص كان الفساد قليلا أو كثيرا، وهو قول مالك في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب العارية ويقوم من قوله في المدونة: وقد كان مالك يقول يغرم ما نقص ولا يفرق بين قليل ولا كثير.

.مسألة عبد مأذون له في التجارة اشترى جارية مع رجل ثم وطئها العبد فأولدها:

من سماع سحنون من ابن القاسم ونوازل سئل عنها قال سحنون: سئل ابن القاسم عن عبد مأذون له في التجارة اشترى جارية مع رجل ثم وطئها العبد فأولدها، قال: يقال للسيد إما أن تفتك عبدك بنصف قيمة الجارية وإما أن تسلمه وماله لصاحب الجارية.
قال محمد بن رشد: رواية سحنون هذه عن ابن القاسم في أن إيلاد العبد الجارية التي بينه وبين شريكه جناية منه على شريكه في نصفه منها، يخير سيده بين أن يفتكه بنصف قيمة الجارية وبين أن يسلمه وماله لصاحب الجارية خلاف قوله من رأيه في أول نوازله من كتاب الاستبراء أنها ليست بجناية لأنه كان مأذونا له في ذلك أي لما كان مأذونا له في وطء ما ملكت يمينه وكان له شرط في الجارية التي وطىء يقدر بهذه الشبهة ودرأ عنه الحد بها فخرجت من أن تكون جناية، فقال إن الجارية تباع فيما لزمه من نصف قيمتها يوم وطئها، ولا يباع الولد معها إذ ليس بملك له، فإن لم يكن في قيمتها وفاء بما لزمه من نصف قيمتها اتبع بالباقي دينا ثابتا في ذمته ولا يكون في رقبته من ذلك شيء، وهذا أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم هل الشركة شبهة لأحد الشريكين في حظ شريكه حسبما مضى بيانه في سماع سحنون من كتاب المزارعة وبالله التوفيق.

.مسألة يزعم العبد أنه دفعه إلى سيده أو تلف:

وسألت أشهب عن العبد يأتي الرجل فيقول له سيدي أرسلني إليك في كذا وكذا فيعطاه، ثم يزعم العبد أنه دفعه إلى سيده أو تلف وينكر ذلك السيد، قال: أراه فاجرا خلابا وأرى ذلك في رقبته كالجناية، ولو كان حرا كان دينا عليه، وفي سماع عيسى من كتاب البراءة أنه لا ضمان عليه، وسألت عنها ابن القاسم فقال لي: إنما هو على أحد وجهين، إذا أقر السيد غرم، وإن لم يقر كان في رقبته لأنه خدع القوم، ولقد سئل مالك عن رجل استأجر عبدا من سيده على أن يبعثه ببعير إلى منهل من المناهل، فذبح العبد البعير بعدما سار به، وزعم أنه خاف على البعير الموت، قال مالك: ومن يعلم ذلك؟ أراه في رقبة العبد، فهذا بمنزلته.
قال محمد بن رشد: وجه رواية سحنون هذه عن أشهب وابن القاسم أن ذلك يكون في رقبة العبد إن أنكر سيده أن يكون بعثه معناه بعد يمينه على ذلك باتفاق إن حقق عليه باعث المال الدعوى بذلك، وعلى اختلاف إن لم يحقق عليه الدعوى بذلك، هو ما قاله في الرواية من أنه خلبه وغره، وفي ذلك اختلاف قد قيل إنه لا يكون إلا في ذمته لأنه دفع إليه باختياره ولو شاء لم يفعل، وقيل إن ذلك يكون في ذمته ولا يكون في رقبته إلا أن بالعدا خلاف ما ذكره من رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب البراءة أنه لا ضمان عليه. وقد سقط في بعض الكتب قوله إنه لا ضمان عليه، والصحيح ثبوته فبذلك تستقيم المسألة، وكذلك وقعت الرواية في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب العارية، ووجه رواية عيسى هذه أنه صدق العبد فيما ادعى من أن سيده بعثه مع يمينه فإذا حلف على ذلك كان بمنزلة إذا كانت له بينة على أن سيده بعثه، واستدل ابن القاسم في رواية سحنون عنه على أن ذلك يكون في رقبة العبد بقول مالك في الذي استأجر عبدا من سيده على أن يبعثه ببعير إلى منهل من المناهل فذبح العبد البعير، ووجه التنظير بينهما استواؤهما في أن صاحب البعير دفع البعير إلى العبد المستأجر باختياره، كما دفع صاحب المال إلى العبد باختيار، ولم يصدق العبد في مسألة مالك فيما زعم أنه خشي على البعير الموت كما لم يصدق العبد في مسألة ابن القاسم فيما زعم من أن سيده أرسله وقد مضى التكلم على هذا كله في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب العارية وفي سماع سحنون منه، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب البضائع والوكالات.

.مسألة سيد العبد إذا جنى عبده ثم سباه العدو فصار في سهمان رجل:

قيل لسحنون أرأيت العبد يجني الجناية ويركبه الدين من تجارة وقد كان أذن له فيها سيده فيأسره أهل الحرب ثم يغنمه المسلمون فيصير في سهمان رجل من المسلمين ثم أتى سيده يريد افتكاكه كيف يفتكه؟ فقال لي: يفتكه بالأكثر من أرش الجناية أو مما صار لهذا الرجل في سهمانه، فإن كان الذي صار له في السهمان عشرة دنانير، وأرش الجناية عشرون أفتكه بالأكثر وهو أرش الجناية فيأخذ صاحب السهمان عشرة دنانير، ويأخذ صاحب الجناية عشرة دنانير، وإن كانت الجناية عشرة والذي صار له في السهمان عشرون أفتكه السيد بالأكثر، وذلك عشرون فيأخذها صاحب السهمان، وليس لصاحب الجناية شيء، وكذلك لو أن أم ولده سباها العدو ثم غنمها المسلمون فصارت في سهمان رجل بمائتي دينار ثم سباها العدو ثانية فغنهما المسلمون فصارت في سهمان رجل بمائة دينار ثم سباها العدو ثالثة فغنمها المسلمون فصارت في سهمان رجل بخمسين دينارا ثم يأتي السيد الأول وكل من صارت في سهمانه وهي في يد الذي صارت في سهمانه بخمسين دينارا أن السيد الأعلى أولى بالخيار يأخذها بالأكثر مما صارت به في المقاسم، وهي مائتا دينار، فيعطى الذي هي في يديه خمسين دينارا لأنه أولى بها من غيره، ولأنه أحدثهم ملكا، ثم يعطى الذي يليه مائة دينار ثم يعطى الثالث ما بقي الذي كانت في يديه بمائتي دينار وإن كان أولى من صارت في سهمانه بخمسين دينارا، والثاني بمائة دينار، والثالث بمائتي دينار فإن السيد الأول أولى بالخيار يفتكها بأكثر الأثمان وهي مائتا دينار، فيأخذها من الذي هي في يديه ويسقط حق صاحب المائة والخمسين، وكذلك لو كان في موضع أم الولد عبد فاسلك به مسلك ما وصفت لك حرفا بحرف تصب إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قول سحنون إن سيد العبد إذا جنى عبده ثم سباه العدو فصار في سهمان رجل إن سيده يأخذه من الذي صار في سهمانه بالأكثر من أرش الجناية أو مما صار به لهذا الرجل في سهمانه خلاف مذهب ابن القاسم على ما حكاه عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين من أنه إنما يفتكه على أصل ابن القاسم ومذهبه إن أحب افتكاكه بالثمن الذي المشتري وبالجناية جميعا؛ لأنه إذا أفتكه بالأكثر وكان في العبد فضل كثير كيف يستبد بالفضل؟ ومثل هذا في كتاب ابن المواز أن ربه لا يأخذه حتى يدفع الثمن والجناية، فإن أسلمه فاختلف هل يبدأ صاحب الجناية على المشتري فيدفع إليه الثمن ويأخذ العبد، أو يبدأ المشتري فيدفع الجناية إن شاء ويتمسك بالعبد، وكذلك مذهب ابن المواز في الذي سباه العدو ثالثة أن سيده الأول أحق به بالثمانين جميعا إن أراد أخذه خلاف قول سحنون هذا أنه يأخذه بأكثر الثمنين وخلاف ما في سماع سحنون من كتاب الجهاد أن سيده الثاني أحق به من السيد الأول، وأنه يأخذه بما وقع به في القسم الثاني، وقد مضى هذا في سماع سحنون من كتاب الجهاد.

.مسألة عدا عليه رجل فجرحه جرحا فعفا المجروح عن نصف جرحه:

قيل لسحنون ما تقول في رجل عدا عليه رجل فجرحه جرحا يمكن فيه القصاص أو لا يمكن، فعفا المجروح عن نصف جرحه هل ترى النصف الباقي يرجع إلى دية أم لا؟ قال: كل جرح لا يمكن فيه القصاص ولا يحكم على الجارح بالقصاص لما يخاف منه فحكمه حكم الخطأ، فإن عفا عن نصفه فله النصف الباقي، وإن أمكن فيه القصاص ويمكن إذا سقط النصف أن يقتص من نصفه اقتص وإن كان لا يمكن إذا سقط نصفه أن يقتص من النصف الثاني فالجارح بالخيار إن شاء أجاز ذلك له فعليه نصف عقل الجرح وإن قال لا أجيز لك عفوا قيل له إما أن تقتص وإما أن تعفو.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة على قياس القول بأنه ليس لولي المقتول أن يجبر القاتل على غرم الدية فيدخل في هذه المسألة الاختلاف بالمعنى من مسألة الأعور يفقأ عين الصحيح حسبما مضى بيانه في رسم القطعان من سماع عيسى وبالله التوفيق.

.مسألة أمر رجلا بقتل عبده فقتله:

قيل لسحنون إن أصبغ يقول من أمر رجلا بقتل عبده فقتله إن على القاتل قيمته، فقال: ليس هذا القول بشيء لا قيمة على القاتل؛ لأن صاحب العبد هو الذي عرض عبده للتلف فهو بمنزلة مال له عرضه للتلف، والعبد مال من الأموال فليس على من أتلفها بأمر أربابها شيء، ويضرب قاتل العبد مائة ويسجن سنة، ويؤدب السيد الآمر أدبا موجعا.
قال محمد بن رشد: لأصبغ في الواضحة مثل قوله ها هنا إلا أنه قال إنما أغرمته القيمة لجرمه، وقال يضرب القاتل والسيد مائة مائة سوط ويسجنان عاما، وقول أصبغ في الواضحة إنما أغرمته القيمة لجرمه ليس بجيد؛ لأن إغرامه القيمة لجرمه على قوله إنما هو من باب العقوبة في الأموال، وإذا عاقب القاتل بغرم ما لا يجب عليه غرمه فالسيد أحق ألا يعطي القيمة لجرمه في الأمر بقتل عبده، فقول سحنون أظهر، ولو قال أصبغ إنما أغرمته القيمة لإسقاط سيد العبد إياها عنه قبل وجوبها له عليه إذ لا تجب عليه إلا بعد قتل العبد لكان ذلك وجها؛ لأن لزوم إسقاط الحق قبل وجوبه أصل مختلف فيه والله الموفق.

.مسألة جرحا عبدا لرجل جرحه أحدهما موضحة والآخر منقلة:

قال سحنون لو أن رجلين جرحا عبدا لرجل جرحه أحدهما موضحة والآخر منقلة أو قطع يده فمات العبد ولا يدري أمن أي ضربة مات، قال: يخير في أخذ القيمة من جارحه الأول تامة، ويرجع الأول على الثاني فيأخذ منه ما نقص جرحه من قيمة العبد فيكون له؛ لأنه قد غرم قيمته تامة، أو يأخذ القيمة من الثاني قيمته بالجرح الأول، ويرجع سيد العبد فيأخذ من الجارح الأول ما نقص جرحه.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يخير في أخذ القيمة تامة من جارحه الأول أو ناقصة من الجارح الثاني معناه أنه يصدق فيمن ادعى عليه منهما أنه مات من جرحه مع يمينه، فيكون الحكم فيه على ما ذكر؛ لأن من جرح عبده فحيي بعد الجرح ثم مات لا يستحق سيده قيمته إلا بعد يمينه أنه مات من ذلك الجرح على ما مضى في رسم شهد من سماع عيسى من هذا الكتاب وفي رسم المجالس من سماع أصبغ من كتاب الديات، وهو نص قول أصبغ في سماعه بعد هذا أنه يحلف على من شاء منهما أنه مات من جرحه ثم يكون الحكم فيه ما ذكره.
فإن قال لا أدري من جرح أيهما مات حلف على ذلك باتفاق إن حققت عليه الدعوى فيه وعلى اختلاف إن لم تحقق عليه الدعوى فيه ووجبت له قيمة عبده على الجارحين جميعا، إذ لا يشك في أنه مات من جرح أحدهما وحصل الدعوى بينهما فيما يجب على كل واحد منهما لأن كل واحد منهما يقول لم يمت من جرحي فلا يلزمني إلا ما يجب علي في جرحي إياه ولا مزية لواحد منهما في دعواه على ما يدعيه من أنه لم يمت من جراحه، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين وكان جرحهما سواء كانت القيمة عليهما بالسواء، وإن اختلفت جراحهما مثل أن يجرحه أحدهما موضحة ويقطع الآخر يده وقيمة العبد مائة وقطع يده ينقص من قيمته نصفها فيكون على الذي قطع يده خمسون نصف قيمته، وعلى الذي جرحه موضحة خمسة نصف عشر قيمته، ويكون الباقي من قيمته وهو خمسة وأربعون عليهما جميعا بالسواء؛ لأن كان واحد منهما يدعي أنها على صاحبه دونه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كان القول قول الحالف منهما، فإن كان الحالف هو الذي قطع يده كانت عليه نصف قيمته لقطع يده، وكانت بقية القيمة على صاحبه الذي نكل عن اليمين، وإن كان الذي حلف هو الذي يدعي على صاحبه دونه جرحه موضحة كان عليه نصف عشر قيمته وكانت بقية القيمة على صاحبه الذي نكل عن اليمين، فهذا تمام القول في هذه المسألة وقد قيل إنه إذا أبى السيد أن يحلف لم يكن له إلا ديات الجراح لاحتمال أن يكون مات من شيء آخر دخل عليه غير الجرحين، وهو قول أصبغ في سماعه بعد هذا، والذي ذكرناه هو على قياس رواية محمد بن يحيى عن مالك في أن من جرح عبده فمات من جرحه بعد أيام أن سيده يستحق قيمته على الذي جرحه دون يمين وبالله التوفيق.

.مسألة أم الولد إذا جنت جناية فلم يفتدها سيدها حتى جنت جناية أخرى:

وكتب إلى سحنون من طرابلس ما تقول ولي الله حفظك في أم ولد لرجل جنت على رجلين موضحتين فعلم السيد بأحدهما وغاب الآخر ولم يعلم بالغائب فأسلم السيد قيمة أم ولده إلى هذا الحاضر ثم جنت أيضا على رجل ثالث موضحة فقام الثالث وجاء الغائب الثاني ما ترى على السيد؟ وما يكون للأول من القيمة التي أسلمت إليه؟ وهل يدخل معه فيها الثاني أم لا؟ وما يكون للثالث؟ وكيف يكون الحكم والقضاء؟ فقال سحنون: إن كان قيمتها يوم قام أحد المشجوجين خمسين دينارا فأسلم سيدها خمسين وهي القيمة وهي دية الموضحة ثم قام المجني عليه الثالث وقدم الغائب فإنه يرجع السيد على الأول بخمسة وعشرين دينارا؛ لأنه كان له يوم قام نصف الجناية، ثم ينظر إلى قيمتها اليوم فإن كانت ستين دينارا قيل للثالث قد جنى عليك نصفها المفتك وهو قائم، والنصف الآخر وهو مرتهن بجناية الغائب، فنصف موضحتك في النصف الفارغ ويفتكه منك سيده بخمسة وعشرين دينارا لأن نصف جنايتك أقل من نصف قيمتها، وإنما يفتك السيد أبدا بالأقل، فالنصف الثاني بينك وبين صاحبك على ما بقي لك وله، فالثلاثون بينك وبينه أثلاثا، لك ثلثها وهو عشرة؛ لأن حقك خمسة وعشرون، ولصاحبك عشرون لأن حقه خمسون دينارا وهذا أحسن ما نعرف في ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة قد بين سحنون فيها وجه قوله بما لا مزيد عليه، وذلك أن أم الولد إذا جنت جناية فلم يفتدها سيدها حتى جنت جناية أخرى يلزم سيدها أن يفتديها بالجنايتين جميعا أو يسلم قيمتها إليهما، فتكون بينهما على قدر جناية كل واحد منهما، وإذا جنت جناية فافتداها سيدها ثم جنت جناية أخرى بعد ذلك على سيدها في الجناية الثانية ما كان عليه في الأولى من أن يفتديها بجميع الجناية أو يسلم إلى المجني عليه قيمتها، فهذا هو الأصل الذي بنى عليه سحنون قوله في هذه المسألة وبالله التوفيق.